منتدى القصه العربيه للقصص القصيره والروايات العربيه والاهتمام بالشعر والادب العربي وثقافة المجتمع
 
الرئيسيةاليوميةبحـثالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الغراب
الجمعة مارس 25, 2016 11:54 pm من طرف د.طلال حرب

» الرسالة:: للنساء فقط هكذا أصبحت مليونيرة .كان عمري 30عام أبحث عن عمل وأبحث عن زوج وكنت فاقدة للأمل ف
الإثنين مارس 07, 2016 7:36 pm من طرف sara.sara

» الحرباء
الأربعاء فبراير 17, 2016 10:05 am من طرف د.طلال حرب

» الهرة
الجمعة يناير 29, 2016 7:27 am من طرف د.طلال حرب

» الببغاء
الأحد يناير 17, 2016 9:56 am من طرف د.طلال حرب

» الأرخبيل
الثلاثاء يناير 12, 2016 12:06 pm من طرف د.طلال حرب

» الحـلـزون
الأحد يناير 10, 2016 9:28 am من طرف د.طلال حرب

» من القلب 3
السبت يناير 02, 2016 12:27 pm من طرف د.طلال حرب

» من القلب 2
السبت يناير 02, 2016 3:39 am من طرف د.طلال حرب


شاطر | 
 

 حسناء أمصي (قصة قصيرة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد البدوي بابكر
مبدع
مبدع


عدد المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 19/01/2012

مُساهمةموضوع: حسناء أمصي (قصة قصيرة)   الخميس يناير 19, 2012 12:58 pm


حسناء أم صي
في خريف عام 1980 كان محصول القطن مبشّرا حيث كنّا قد زرعنا نحو الخمسة آلاف من الفدادين قطنا، و نحو خمسة عشر ألفا أخرى سمسما و ذرة بأنواعها المختلفة من دبر و قدم حمام وصفيراء ومُقُد وذرة شامية. كنّا قد حصدنا محصولا لابأس به من السمسم والذرة. وبقي لنا الأمل الأكبر في لقيط القطن.. وبدأ الإستعداد للقيط القطن.. وأعددنا الكنابي (جمع كامب) وجهّزنا الميوز (ميز العمال) من فسيخ وكجيك وزيت (لزوم الأكل والمسوح) وقد كان العمال حين يشتكون نقص الزيت يذكرون أنّ نساءهم لم يذقن طعماً للمسوح منذ أسبوع.. كان علينا أن نشدّ الرحال شرقا وغربا وجنوبا لجلب عمّال اللقيط.. وبحكم وظيفتي كمسئول من المال، لم يكن السفر لجلبهم من ضمن واجباتي، لكنه حب الإستطلاع والفضول.. وأخترت مرافقة تيم الخال النوراني (كبير المراقبين) إلى نواحي قيسان.. وقد كنت أدعوه الخال.. فقد كان رجلا ظريفا هوّن علينا وجوده قهر الوحدة والشعور بالضيق في ظروف الخلاء الصعبة والإنقطاع عن العالم. وتحركنا ملتوين عبر الجبال والسهول والخيران. وشخير الأوستن مابعد الداؤودي تتخلله كلمات السائق وكالة الأنباء عثمان نشرة. (سمي بهذا الإسم لكثرة كلامه ونقله أخبار المشروع لصاحبه العم أحمد في سنّار) تحركنا متجهين نحو الجنوب الشرقي قاصدين قرية أم صي.. يالله!!! مناظر تفوق الجمال وصفا!!! والخضرة تتخللها جبال البنفسج المغسولة بماء السماء.
وبينا نحن يطلّ علينا واد أخضر مطرّز بتلال تتلألأ كالعاج والعسجد على عروش و مناضد الملوك.. كانت دهشتنا أكبر!! شباب من الجنسين تجانسوا زيّا وسحنة مع روعة الوادي الأخضر.. تكاد من فرط دهشتك تجزم أنّ الله قد خلقهم هنا مع هذا الفردوس النضير (وكأنّهم ولدان مخلّدون) كان التوقف و النزول بلا إرادة ، والخال النوراني بجرأته المعهودة ولسانه الحلو كان باب الدخول إلى هذا العالم الملائكي ..لم يترك شابا ولابنتا إلا وقد تحسّسه بيده و كأنّه يريد التأكد من أنّ مايرى حسّا فعلاً.. وكان يسألهم من أين جاءوا ومن أوصلهم هنا (يابتي إنتي أهلك من وين؟؟ يابتي إنتي أهلك هسّع عارفنك هنا؟؟) وتأكدنا أنّهم بشر أحلى من كلّ البشر بحسّهم الرفيع.. بعض قد أمسك قد أمسك بريشته ونصب لوحته يداعب حقيقة يفوق خيالها حدّ الجمال.. و بعضهم يداعب روحا عبقرية بإزميل لم يحلم فدياس بمثله.. وغادرناهم متجهين نحو الجنوب الشرقي بحثا عن البرون والوطاويط، في تلك المناطق التي حباها الله بطبيعة يفوق جمالها حد التصور ..تلك الجبال البنفسجية التي تلبس سندس الإخضرار الزاهي فتسلب الألباب قبل الأبصار.. وواصلنا الطريق، لجلب عمال لقيط القطن من أم صي وقيسان .وفي ذلك الخور العدار وضعنا الأسرة (العناقريب) ليبيت بعضنا في السودان وبعضنا في أثيوبيا نتجاذب أطراف الحديث عبر الحدود الآمنة.. وكان الخال النوراني حين يبدو علينا الخوف من لامبالاتنا، كان يقول:ـ (علي الطلاق ديل كديسة ما يكتلوها..) تعبيرا عن شمول الأمن وطيبة أهل الديار.. (و شتان بين شمول الأمن والأمن المشمول.) كنّا في البداية ننظر لأشكالهم ولانرى مكامن الجمال فيهم.. وبعد الإعتباد عليهم نكتشف الكنوز المخبأة بين طيات السواد اللامع كما قلم التروبن (True pen) لو تذكرون؟؟ بتنا الليلة في ذلك الخور العدار وسط العدار.. نتآنس عبر الأثير بلا أثير بين القطرين، سرير في الحبشة و الآخر في السودان.. وحتي البعوض قد تغذى دماءا حبشية سودانية، تطنّ هناك وتعضّ هنا حتى أصبح الصباح وسكتت شهرزاد عن المباح.. و زنبقتي السوداء لم ألتق بها بعد ..
بعد قضاء ليلة عالية الرطوبة في العراء . صحونا مبكّرين وركبنا متوجّهين إلى (أم صي) حيث تمّ الإتفاق مع شيوخ القرية بشحن القرية ومن فيها (رجالا ونساءا وأطفالا) إلى كمبو اللقيط. و توحهنا بلوارينا الإثنين وجراراتنا الثلاث بمقطوراتها لشحن الناس بمتاعهم البسيط ..
توقفنا في أرض وهاد عند مدخل القرية لنجد القرية بكاملها في انتظار الشحن.. تأملت سحنات القوم التي يعتليها سواد ناصع .. وتقاطيع وجوههم أخفتها طيّات السواد والشمس على وشك الشروق.. سواد قادر على امتصاص الشمس وابتلاعها في لقمة واحدة.. تبدو علي القوم مسكنة الأنعام.. حتى شيوخهم الذين هم يعتبرون مقاولي عمال اللقيط لايقلون عنهم مسكنة.. وبينما أنا واقف أتأمل وجوه القوم ذكورا وإناثا حيث لم أجد فيها غير السواد قد أخفى المعالم.. جاءت تخطر من طرف القرية.. شيئ لا علاقة له بهؤلاء الناس.. طلعة مهيبة رهيبة.. فتاة أبنوسية رائعة المظهر من على البعد جاءت تمشي كما يمشي الوجي الوحل ..فرعاء في قامتي رغم قصر أهلها.. ممتلئة القوام غراء رغم السواد. مصقول عوارضها كما وصف الأعشى هريرة.. مختلفة عن رصيفاتها في كل شيئ إن كان لها رصيفة أصلا.. فالباقيات لايصلحن لها حتى وصيفات ناهيك عن الرصافة. حتى ملبسها يختلف.. أم أنها الشماعة اللامعة مثل صفّارة الأبنوس قد زانت الفسنان الأحمر.. عروسة في كامل زينتها خرجت من كوافير أم صي .. ليت لي إزميل فدياس أو روحا عبقرية حتى أصوّرها لكم.. ولا أخفي عليكم فقد بهرتني تماما.. كان شعورا غريبا جدا فهو بالتأكيد ليس حبا أو ولها فقلبي تركته في الخرطوم مغلق عليه بالضبّة والمفتاح.. وهو بالتأكيد ليس نزوة أو شهوة عابرة.. فبالرغم من الشباب والفتوة لم أكن أرضخ لشهوات نفسي.. هو أعجاب حقبقي بهذه الفتاة. ليس إعجاب بجمالها وحسب على الإطلاق رغم أنها ملكة جمال بالنسبة للبيئة المحيطة ..فقد كان إعجابي بقدرتها على الإحتفاظ بهذا الرونق البهي في هذه الظروف القاسية.. وأكننت لها حبا من كل قلبي.. حب من نوع آخر لم أدرك كنهه ..وكان زميلنا عبد العظيم قد أمسك بالقلم و الورق الفلسكاب لتسجيل أسماء اللقاطين قبيل شحنهم (ولا أقول شحنهم إستهتارا بالقوم) ولكنه الأمر الواقع ..سجّلت إسمها بنفسي بعد أن خطفت الورق من عبد العظيم (إشتراكية بنت رمضان) إسمها إشتراكية وهي رأسمالية بمظهرها الفاخر وسط قومها ..
و لكم أن تتخيّلوا !!عوائل قرية بأكملها تم شحنها في ترلات تجرّها جرارات بالية لتعبر مئات الكيلومترات في طرق ملتوية وسط الغابات والخيران ..(أنا غايتو حلفت طلاق إشتراكية ماتركب معاهم..) ورفعت عفشها البسيط في اللوري و أركبتها بجانبي.. رغم احتجاج عثمان نشرة و تهديدي بتبليغ عمنا أحمد صاحب الشركة.. وعدت للمشروع ظافرا بزنبقتي السوداء.. ولم تتوقف العلاقة عند هذا الحد، ووصلنا المشروع بعد رحلة رغم أنّها طويلة وشاقّة، لكنها ساعات مرّت عليّ و كأنها ثوان معدودات. وهي بجابي في كابينة الأوستن الضيّقة نسبيا. لكن لم يساورني قط شعور مما تظنون. أو كما كان يظن زملائي.. كما قلت لكم لم تكن نزوة أو حب أو أي شيئ من هذا القبيل ..
الشيئ الغريب الذي شدّني لها هو مظهرها الأنيق ونظافتها وعدم وجود رائحة العرق الممزوج برائحة الكجيك والمرس عند أهلها.. كنت في ذلك الوقت عندما يجتمع حولي في المكتب عدد من العمال لصرف مستحقاتهم أكاد أُصاب بالإغماء.. ولكن زنبقتي السوداء يفوح منها أو كما يخيّل لي عطر الياسمين والصندل.. حقيقة لا خيال والله كانت أنفاسها معطّرة .. تحدثت معها كثيرا رغم أنني لا أجيد فن الحديث كما الكتابة.. وغالبا ما أكون صامتا صمت القبور.. و هذه ميزة في بعض الأحايين سيئة، ولكن هكذا أنا (أطواري غريبة) .. كنت بجانبها شخصا آخر كثير الكلام.. سألتها عن كل شيئ حتى ملابسها، من أين تشتريها وأين تحيكها ..
هي ابنة الشيخ رمضان، كبير القرية وشيخها. وقد رأيته هو أيضا رجل حسن المظهر مألوفا طيّبا. يرتدي العراقي والسروال الدمورية.. وهو كما هي نظيفا لامعا وضيئ الوجه.
ينجر العناقريب والبنابر من السنط والهجليج ويبيعها بثمن بخس لأهل القرية و لمن يطلب. الكل كان يحترمه حتى الجلّابة (نحن). سألتها عن أمّها فسكتت برهة ثمّ أخبرتني بأنّها قد فارقت الحياة قبل عامين إثر عضّة ثعبان سام.. ووالدها لم يتزوّج من أخرى.. وقد نذرت نفسها لخدمته ورفضت الزواج من كثيرين.. ليس من أجل والدها وحسب، بل لعدم اقتناعها بمن تقدموا لها.. فهي تريد حياة أفضل. (تطلع مشروع لفتاة مرونقة مزنبقة) كدت أن أطلبها من نفسها (لولا الملامة) وتلك التي تنتظرني في الخرطوم ، والتي هي بالتأكيد أحلى وأنسب منها.. ولكن بالقياس للظروف المحيطة فزنبقتي إشتراكية فلتة.. ومالي أنا والظروف المحيطة.. لست موكلا بإصلاح الكون.. وصلنا المشروع في اليوم التالي قبيل المغرب بقليل.. فقد كانت الجرارات بمقطوراتها بطيئة ونحن ننتظرها في الطريق ثمّ نواصل المسير .. كان الخال النوراني والسائق عثمان نشرة مستاءان جدا ويعتقدان أنني مسحور .. وأصررت على توصيل زنبقتي السوداء إلى مقر والدها بالكامبو وأنزلت متاعها بنفسي.. وشكرني الشيخ رمضان كثيرا جداً جداً ....
هانحن قد بدأنا لقيط القطن بعد يومين من وصولنا ، وفي هذين اليومين لم أستطع رؤية زنبقتي السوداء، فقد فرض عليّ الخال النوراني رقابة مشدّدة إذ كان لايفارقني لحظة واحدة.. حتى في ساعات النوم كان يضع سريره بجانبي، وكان نومه خفيفا جدا. كنت إذا تقلّبت في سريري أوتحركت لقضاء حاجة يرفع رأسه لمراقبتي.. كان يعتقد أنّني مصاب بالسحر.. وحلف إن بدرت مني أي حركة ، فأنه سيقوم بتقييدي وإرسالي لسنار بقيدي للعم أحمد ..هذا الرجل كنت أرأسه في العمل، ولكن لكبر سنه وطيبته المتناهية وحنيّته الزائدة ولطفه ولباقته وخبرته الطويلة في مجال الزراعة المطرية. لهذا كلّه كان الجميع يحترمونه ويحبّونه وقد كانت علاقتي به أكثر خصوصية. وقد استفدت كثيرا من خبراته في العمل، بل في أموري الخاصة أيضا ..
وبدأ اللقيط ، وكان اليوم الأول بالنسبة لي كيوم العيد.. فقد انشغل عني الخال النوراني، حيث خرج مبكرا. إنتهزت الفرصة واعتليت ظهر الجرار (الماسي) متوجها إلى مكان اللقيط المخصص لعمال أم صي.. وتوقفت من بعيد حيث ضمنت عدم تواجد الخال بالمنطقة.. وبعدها اقتحمت الموقع وأوقفت الجرار بجانب راكوبة صغيرة يجلس فيها الشيخ رمضان يمارس نجارة العناقريب والبنابر ويراقب عمّاله.. ألقيت عليه السلام وجلست على بنبر من نجره في طرف الراكوبة.. وكنت أراقب عاملات اللقيط من بعيد.. لم أجد كبير عناء في تحديد مكانها.. فقد كانت كما أخبرتكم كالبدر في ليلة تمامه يخفي ضوؤه النجوم.. كنت أنتظرها لتأتي لتفريغ سلّتها في الجوال بالقرب من الراكوبة.. وماكنت أطمع في شيئ غير أن أراها عن قرب لأبلّ شوقي.. (وبالرغم من ذلك أقول لكم إنّه ليس ولها ولا غراما ولا لوعة ولا شيئ من هذا) إذن سالتموني ما هو ؟؟؟ أجيبكم ::ـ لا أدري والله. هل هو سحر كمايظنّ الخال؟؟ لا والله فهؤلاء الناس المساكين لا يسحرون أحداً ..
هاهي قد جاءت لتفريغ سلّتها .. لاحظت أنّ صويحباتها قد أفرغن كل ما جمعن من لقيط في سلّتها كي تحضر هي لتراني.. ولا أخفي عليكم أنني منذ الوهلة الأولى شعرت بأنها تبادلني شيئا ما.. وضعت سلّتها واتجهت نحوي مباشرة وسلّمت عليّ وذهبت نحو والدها.. وأمرها بإعداد كوبين من الشاي السادة (الحافّي) كما يسمونه.. ترك الشيخ نجره وجلس بجانبي وهو يقول:ـ
سوف يا ولدي (شوف ياولدي) حيث ينطقون الشين سينا طبعا كلامه عربي مكسّر وهذا معناه :ـ
أنا البنية دي ياها رصيدي في الدنيا ما عندي غيرها وقد نذرت نفسي لتربيتها بالمال الحلال وعلى الخلق الحميد.. ومابتعرف اللعب والكلام الماياهو.. دحين ياولدي إنت باين عليك من خشم بيت كويّس وتعرف الأصول.. أنا أبوها وبنصحك تبعد مننا لأننا ناسا مساكين وحياتنا تختلف من حياة ناس السافل. يعني بالعربي كده مابننفع معاك. وأهلك مابيقبلوا تتزوج مننا.. كمان لو داير شيئ غير الزواج نحن ما عندنا لعب ..
أكبرت في الرجل صراحته ونصيحته لي وكان ردي :ـ بعد تلعثم ..أنا ياعم رمضان لم أفكر قط لا في الزواج ولا في اللعب.. أنا أعتبر إشتراكية مثل أختي تماما والسبب الذي جعلني أتعلّق بها هو مظهرها فهي مختلفة عن قريناتها في الشكل والمظهر وباين عليها إنها متربية كويس.. ولي عندك طلب واحد، هو أن تعتبرني مثل إبنك. واشتراكية بمثابة أختي الصغيرة. وأطلب منك أن تعطيني الفرصة أعلّمها الكتابة والقراءة.. وأعدك بأنني لن أمسّها بسوء ..
ولا أخفي عليكم أنّ هذه الفكرة كانت وليدة اللحظة.. لم أفكر فيها من قبل، ولكنها كانت مخرجي الوحيد ..
صدّقني الرجل، وقد كنت صادقا بالفعل، ووافق على الفكرة بدون تردد.. فقد رأى فيها خيرا لابنته.. وقطعته عهدا على نفسي ألّا تترك إشتراكية المشروع إلّا وقد تعلّمت القراءة والكتابة ..وأخيرا طلب مني الشيخ رمضان أن أتعشّى معهم مساء ذلك اليوم وأن يكون بصحبتي الخال النوراني. (ياخبر أبيض) إعتليت صهوة الماسي فيرجسون متجها نحو الكامبو الرئيسي حيث نسكن، ووجدت الخال ينتظرني بقلق شديد. وأخبرته بما حدث بالتفصيل وبدا عليه الإرتياح، وقبل الوليمة..
وجاء موعد العشاء...
كانت تساورني بعض الشكوك.. لماذا قبل الخال النوراني الدعوة دونما اعتراض أو حتى مناقشة وقد كان قبلها غير راض عن تعلّقي بالزنبقة.. ماذا يدبّر لي هذا الرجل الداهية؟؟ أيكون الأمر مدبّر منه؟؟ على كل حال فقد قررت خوض المجهول....
لم يكن كامبو أم صي بعيدا عن كامبو الرئاسة.. وركبنا اللاندروفر بعد أن ارتديت الشارليستون الكرمبلين الأخضر المخطط بالأبيض والقميص تحرمني منّك بنفس الألوان.. وكأنني ذاهب لحفل في الهيلتون (كماقالها الخال).. لبس لايتناسب مع طبيعة المكان حيث الأرض البادوبة يكاد الشق منها يبتلع البني آدم كاملا.. لكن المناسبة تستخق.. كانت عقبتي وهمّي كله، كيف سآكل عشاء هؤلاء الناس؟؟ وكيف سيكون العشاء؟؟
لابدّ مما ليس منه بدّ.. توكلت على الله..
وكانت المفاجأة الكبرى عندما اقتربنا من الكامبو. بدا لنا نورا ساطعا والقرية كلّها مجتمعة تحت ضوء الرتائن ونغمات الوازا أو الواظا قد بدأت تملأ أرجاء الخلاء مع دخولنا للكامبو..
سألت الخال عن الحاصل.. فأخبرني بأنهم يحتفلون بزواج إثنين من شبابهم (شابين وفتاتين)
سألته على الفور ودون تردد وأنا أمسك بتلابيبه.. وهل إشتراكية إحدى العروستين..
فأجاب :ـ يازول فكّني إنت والله جنّيت عديل .. يا زول عليّ الحرام ده ما عرسها..
فككت تلابيب الخال الذي كان يقود اللاندروفر في مكان وعر..
قال الخال :ـ يازول مادام وصلت المرحلة دي حرّم هسع نعقد لك عليها سجم العجلة الراجاك في الخرطوم ديك.. كان يسمي خطيبتي بالعجلة كناية عن صحتها في الصورة التي كانت لاتفارق جزلاني.. وحتى الزنبقة نفسها أطلعتها على الصورة ..
ونزلنا في دائرة الرقص على الفور.. إي والله رقصت مع الواظا قبالة الزنبقة وأنا بكامل وعيي (كما يقول المحامون في بداية العقود) رقصنا ورقص الخال بجانبنا لفترة طويلة رقصة عنيفة سال معها العرق شآبيب..
وتوقفت الواظا وتوقف الرقص وكان العشاء.. وذهب القوم لساحة العشاء.. أما الخال وشخصي الضيوف المعتبرين فقد قادنا العم رمضان الى راكوبة الشيخ الفارهة.. وأجلسنا على عناقريب من نجره تتوسطها منضدة خشبية من نجره أيضا.. وبعد أن تعاطينا بالقرعة من العسلية المصنوعة من السمسم (كنجو مورو)، جاءت إلزنبقة تحمل صينية العشاء على كتفها، وهي بكامل رونقها وبهائها ولمعتها وكأنها لم تتأثر مثلنا بالحركة العنيفة في حلبة الرقص ..
ويالدهشتي فلقد كانت الصينية أعدت لنا خصيصا.. وكأنما أتت بها من فندق من ذوات النجوم الخمس.. لحم مطهي بالصاج وشية على الجمر مع البصل والشطّة.. وحتى الخال النوراني كان محتارا.. وقال أنه لم يذق في حياته أحلى ولا أطعم من هذا العشاء الدسم.. تعشينا والزنبقة بجانبنا تخدّم علينا وتمدنا بالماء والعسلية حتي غسلت أيدينا بالأبريق والصابونة وهي تمسك طست الغسيل داخل الراكوبة.. منتهى الرقي.. ولاحتى في كامبو الرئاسة لم نذق عشاءا كهذا ..
ودّعنا العم رمضان وإبنته بعد أن شكرناهم على الكرم الفيّاض.. وودعنا الجميع وركبنا في إتجاه الكامبو الرئيسي ..
وبعد وصولنا بقليل جاءنا أحد مراقبي المشروع وهو يحمل إشتراكية ووالدها على التراكتور..
عين وأصابتها.. لدغها ثعبان.. يا للهول يقولون أنه ثعبان خطير..
حملناها على العنقريب إلى غرفة مساعد الحكيم جوار الكامبو ليسعفها.. وكانت تتصبب عرقا ..وبعد العلاج بالمصل والعروق.. أفاقت قليلا وحملناها باللاندروفر نفسه الي قرية فادمية القريبة من المشروع حيث طمأننا الطبيب على صحتها وأعطاها بعض المقويات.. وعدنا سالمين.. وباتوا معنا في الكامبو الرئيسي تحوّطا..

وكان عهد قطعته على نفسي في لحظة.. لحظة كان لابدّ فيها من إختلاق التبرير لتأكيد حسن النية للشيخ رمضان.. كان العهد ان لاتعود زنيقتي لديارها إلا وهي تجيد اللغة العربية حديثا وكتابة..
وفي صبيحة اليوم التالي كان لابدّ من سفري لسنّار لتقديم الميزانية التقديرية لتكلفة لقيط القطن للعم أحمد وجلب بعض المال لتسيير العمل على أن أعود فورا للمشروع لصرف مستحقات العمّال ورواتب العاملين.. ورغم حالة الإرهاق التي كنت فيها من جراء السهر الذي سبّبه الثعبان اللعين، صحوت قبل آذان الصبح، وبعد الإطمئنان على صحة الزنبقة، ركبت الأوستن مع السائق عثمان نشرة (وكالة أنباء المشروع المتحركة) ووصلنا الدمازين حيث صلّينا الجمعة وتحركنا نحو سنّار عبر الطرق الوعرة والخيران التي مازالت آثار الخريف تزيد من وعورتها.. ولم يكن شارع الظلط الحالي قد وصل مرحلة الحلم البعيد ..وأعانتنا إستراحات مشاريع العم أحمد الصغيرة في أقدي والقرابين. أعانتنا على تخفيف وطأة السفر ، حيث بتنا في استراحة القرابين.. وكانت الرحلة رغم أنها شاقّة لا تخلو من حلاوة ..فعلاقات السائق عثمان نشرة مع ستات العشاء والحليب الدسم المعتّق بالحلبة قد أمدّتنا بطاقة كبيرة.. وتحركنا من القرابين مبكرين نحو سنّار حيث وصلناها قبل الظهر.. ونزلنا في سوق سنار حيث مكتب العم أحمد.. وكان العم في مشوار خارج المكتب. وبعد أن سلّمت على الزملاء بالمكتب، توجّهت للتو لإحدى المكتبات القريبة واشتريت كتابين من كتب محو الأمية..
حين رجعت للمكتب كان العم قد عاد.. (بالمناسبة كلمة العم هنا تختلف عن التي يطلقها المغتربون في السعودية على الكفيل) فقد كان الرجل يعاملني كمعاملته لأبنائه. وبعد أن سلّم عليّ بطريقة ودية للغاية حيث أمسك بأنفي وكأنني طفل صغير.. عندها عرفت أنّ في الأمر شيئا غير عادي.. نظرت إلى السائق النشرة وكان يخفي إبتسامة مريبة. وبعدها خاطبني العم :ـ (حمدا لله على سلامة إشتراكية).. يالله فقد حكى لي الأحداث بالتفصيل و كأنه كان معنا (آمنت بالسائق النشرة) فقد كان يعكس للعم أخبار المشروع بدقة متناهية.. بأمانة هو نشرة تلفزيونية وليست إذاعية..
بعدها كان قرار عمّنا أن يرجع السائق بالمال ويسلّمه للخال النوراني في الدمازين وأن أسافر أنا للخرطوم لقضاء إجازتي السنوية، ولم أكن قد أكملت الستة أشهر..
لا أدري هل فرحت أم حزنت لهذا القرار المفاجئ .. كان شعوري متنازعا.. وكيف يكون حسم هذا االنزاع ؟؟
نزاع خفي بين العقل والقلب من جهة.. وبين الزنبق والقمح من جهة أخرى.. لم يكن باليد خيار.. حاولت التأرجح بحجة الرجوع لإحضار شنطة ملابسي من المشروع، حيث لم أكن أحمل معي سوى غيار واحد.. عندها أشار السائق عثمان نشرة إلى ركن المكتت.. إلتفتّ فوجدت عرش بلقيس قابعا في ركن المكتب.. شنطتي بلحمها وشحمها في ركن المكتب.. إذن فالأمر مدبّر بليل.. دبّره الخال النوراني والسائق نشرة.. في هذه اللحظة غضبت غضبا شديدا.. وتحدثت مع العم أحمد بطريقة فيها بعض اللؤم.. لكنه لم يكترث.. وضربني برأسه.. روسية كاد ينفجر معها رأسي.. لأول مرة يستخدم رأسه معي.. وقد كان يستخدمه مع الكل. بصراحة هذه الروسية جعلتني أفيق..

وبعد أن تغدّينا في المنزل كان اللاندروفر الخاص بسفريات العم أحمد في انتظاري.. أصرّ على أن يوصلني سائقه إلى الخرطوم ويرجع في الصباح.. قبل مغادرتي للدمازين كنّا نسكن أنا وإخوتي الأصغر (عزّابة) في الحلة الجديدة.. وعند وصولي للمنزل وجدته قد تغيّر كثيرا.. فقد جاءت إحدى إخواتنا للجامعة ولم يعد إخوتي عزّابة كما كنّا.. البيت مرتب ونظيف وبه ثلاجة ومراوح سقف وترابيز والمطبخ مرتب وبه وابور جاز وسخّان كهرباء حيث لم يكن البونوجاز معمّما في ذلك الزمان.. ونمت بعد أن تعشيت عشائي الذي كان ومازال هو المفضّل (الرغيف باللبن) .. كان الصباح يوم جمعة.. وقد صحوت متأخرا في حوالي التاسعة صباحا.. وبعد الحمام والصلاة توجهت حواسي نحو المطبخ متطلّعا لكوب من الشاي ..
كان بالمطبخ حركة أواني و صوت زيت وروائح شهية منبعثة مما أثار شهيتي قبل الشاي.. لم أستطع التحامل ودخلت المطبخ مقتحما لأجد المفاجأة.. الأخت جالسة و خطيبتي بشحمها ولحمها تطبخ لنا الفطور .. أحبت الأخت أن تجعلها لي مفاجأة فاستدعتها لعمل الفطور..
كانت الإجازة ممتعة بحق بوجود الأخت حيث نظمت لنا الكثير من اللقاءات والرحلات ..ورغم استمتاعي بالعطلة لم يفارقني خيال الزنبقة السوداء لحظة.. شعور غريب لم أستطع تفسيره حتى الآن.. ولا أقول لكم سرا إن قلت أنّ طيف الزنبقة ما زال يزورني في صحوي ومنامي حتى الآن..
وانتهت الإجازة بكل خيرها وكانت كلّها خيرا.. حيث أكّدت تحديد موعد الزواج ورتبت أمرى كلّه بعد انقضاء فترة الإجازة ذهبت لشقيق العم أحمد.. وهما شريكان في كل أعمالهما.. وسلمني مبلغ خمسة آلاف جنيه نقدا وتذكرة طائرة للدمازين.. وعندما اتصل بالعم أحمد ليخبره بذلك.. أصرّ العم أحمد على إرجاع تذكرة الطائرة وحضوري فورا لسنار للسفر باللوري مع السائق النشرة صباح الغد.. أعطاني العم ثمن تذكرة الطائرة في يدي حين شعر بامتعاضي من قرار أخيه ..
واشتريت هدايا لخطيبتي من ثمن التذكرة ..
إمتثلت للأوامر ورجعت للبيت وحملت شنطتي وتوجهت فورا للسوق الشعبي حيث بصات سنّار.. وعند وصولي لسنار سألت العم أحمد عن سبب رفضه لسفري بالطائرة.. أجابني بتمتمته المعهودة.. ياااااااااخينا أنا ماعندي موظفين يسافروا بالطيارة.. لازم تتعودوا على التعب.. وهو يقول أنّ متعته في الحياة هي التعب.. غريب هذا الرجل.. لكنه علّمنا تحمل التعب ..قمنا من سنّار في الصباح الباكر مرورا بنفس الطريق وستات اللبن بالحلبة.. حاولت أن أستدرج السائق نشرة وأسأله عن الزنبقة وهو يطرطش الكلام إلى أن وصلنا الدمازين.. ونزلنا باستراحة الشركة ..
وكانت المفاجأة الكبرى إستقبلنا العم رمضان عند الباب.. تلخبطت أفكاري ولم أجد تفسيرا لوجوده بالدمازين.. سلّمت على الرجل وبعد دخولي مباشرة جرّني السائق نشرة ناحية المكتب وأخبرني بالخبر المفجع ..


واااا حسرتاه لقد ماتت إشتراكية إثر مضاعفات عضّة الثعبان ..
ورفض العم رمضان بعد الفجيعة أن يمكث بالمشروع أويرجع لأم صي
.. فعيّنه الخال خفيرا لاستراحة الشركة ..
لم أصاحب السائق نشرة للمشروع ومكثت
بالإستراحة مع العم رمضان لثلاثة أشهر..
حيث تحول مكتبي للدمازين بعد انتزاع الموافقة من العم أحمد ..
وكانت دمعاتي تسيل كلما رأيت العم رمضان.. ولكن لانغضب الرب ..
كان الرجل يؤاسيني بدلا من أن أؤاسيه..
وبعدها سافرت لإتمام مراسم الزواج ..وما زال طيفها يزورني بعد كل هذه السنين !!!



[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حسناء أمصي (قصة قصيرة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نادي القصه العربيه :: نادي القصه القصيره-
انتقل الى: