منتدى القصه العربيه للقصص القصيره والروايات العربيه والاهتمام بالشعر والادب العربي وثقافة المجتمع
 
الرئيسيةاليوميةبحـثالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الفلسفة العمرانية :محنة العقل
الخميس ديسمبر 14, 2017 12:54 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : محنة التدريس
الأربعاء ديسمبر 13, 2017 4:23 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : محنة التعليم
الأحد ديسمبر 10, 2017 2:31 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : محنة القارئ
السبت ديسمبر 09, 2017 3:16 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : الهامش أو المتن
الخميس ديسمبر 07, 2017 11:05 pm من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : مسائل عمرانية
الإثنين نوفمبر 13, 2017 7:07 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : الانتحال عقم
الثلاثاء نوفمبر 07, 2017 7:35 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية :من هم العمارون الأحرار ؟
الإثنين نوفمبر 06, 2017 7:44 am من طرف د.طلال حرب

» الفلسفة العمرانية : ما العمران ؟
الأحد نوفمبر 05, 2017 3:48 am من طرف د.طلال حرب


شاطر | 
 

 رحلة الى جب يوسف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم ابو عرقوب
مبدع
مبدع


عدد المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 10/06/2011

مُساهمةموضوع: رحلة الى جب يوسف   الثلاثاء مايو 29, 2012 10:17 am


رحلة الى جب يوسف
إستوقفتني حكاية ذلك الفتى نابغة الرياضيات الذي قاده حظه العاثر الى تلك القرية القابعة في بطن ذلك الوادي السحيق بعد أن دميت قدماه بحثا عن وظيفة تسد رمقه. توجه الأستاذ محمد جبر الى القرية في يومه الأول فذهل مما كتب على شهود قبورها,فهذا فلان بن فلان ولد في بداية القرن العشرين ومات في يومه الاخير وعاش سنتين فقط.
لم يفهم المعلم سر الكتابة بل إعتقد أن حطه السيء رماه الى قوم لم تصلهم الابجدية بعد. سأل مختار القرية : ألم ياتكم من يعلمكم علوم الحساب؟ كيف إختصرتم أعماركم من قرن من الزمان الى سنتين فقط كما هو مكتوب على بعض شواهد قبوركم؟
سكت شيخ القرية وقال له: يا ولدي نحن نحسب أعمارنا لا بعدد سنيها بل بمدة سعادتنا خلالها.
هنا أدرك المعلم مغزى الكلام فقال للشيخ : مولاي إذا مت في قريتكم فاكتب على قبري ( المرحوم محمد جبر من بطن أمه الى القبر).
لم يكن حالنا بأفضل من حال أستاذنا الفاضل, فقد كتب على جباهنا منذ قرون أننا متنا قبل أن نولد. لقد كانت قوانين البشر أعتى من قوانين الطبيعة,لذلك لم أستطع رؤية سنابل القمح تموج على سيقانها. وأفواج الفراشات تعانق زهرات لتقبيلها.
كان علي أن أحضر رفاتا من عظام جدي العشر بعد المئة لأثبت أنني مولود في تلك الارض .
وبعد أن سدت الدروب وفقد الامل لملمت أوراقي وأولادي واتجهت نحو أرض عشقتها بحثا عن تلك العظام المفقودة.
منذ الفجر وطوابير البشر بانتظار الفرج. وذلك الموظف يرمقنا بنظرات حقد مصحوبة بكلمات خارجة عن آداب المعاملة أحيانا, افترشنا الأرض وأسراب الذباب تحوم حولنا كانها مستعجلة رحيلنا.
اندفع الناس نحو الحافلة ليدوسوا من لا حول له ولا قوة. شتائم تتعالى بين الجموع . وأطفال يقذفون من النوافذ لحجز زاوية قبل ان يسبقهم اليها احد.
أدركت حينها صدق قول قاله متعجرف فينا حرمه الله نصف بصره وكل بصيرته.
انطلقت الحافلة تتمايل كبطة عرجاء على طريق شق على خطى مهندسي الطرق الأوئل قبل قرون من الزمان, فها نحن نتجه الى المجهول في أدنى الارض ,غابات من الحديد مرصوفة على جانبي مجرى الماء بعد ان إزداد عمقه و جف ماؤه, واشجار الشوك الجاف تغطي الطريق .وحرارة الجو تلفح الوجوه المتعبة.
تتوقف الحافلة قليلا ليصعد الى داخلها من يعد النفوس .ثم تواصل السير ليوقفها آخر ليتاكد أننا على قيد الحياة ولم يغادرها منا أحدا.
بعد برهة من الزمان توقفنا خلف طابور من الحافلات بانتظار دورها في اعماق الارض ,تتعالى صرخات الاطفال كانهم قردة في اقفاصها إما لنقص ماء أو هواء أ و ربما لقضاء حاجة لا مفر منها.
اغلقت خلفنا الابواب بعد طول انتظار , صعد الغرباء الى الداخل ليقلبوا اوراقنا ويرمقونا بنظرات مملؤءة بالحقد الاسود.
كنا نبادلهم التحية بمثلها دون أن ينطق أحد بكلمه, فصوت الصمت كان يدوي في القلوب , وبه من البلاغة ما لم يبلغه فلاسفة اللغة وعباقرتها.
عيون تراقبنا من كل حدب و صوب ,جدار خلفه جدار , وخلف الجدار جدار ,وخلفها جدار من الطبيعة القاسية يلتف حول أعناقنا, ولكنه يعلمنا أن الشمس لا يمكن حجبها.
في قاعة تكدس الجمع كالاغنام .فتاة ممشوقة القوام لم يبق في محياها من الأنوثة شيء, يعلو صراخها ,تكيل الشتائم للناس كأن لا ادمية لهم. الكل واجم باتظار الفرج. كل واحد مر على الصراط للمحاسبة , والويل لمن ثكلته امه ليدان بجرم لم يقترفه.
إقتربت الشمس من المغيب قبل أن تعلن برائتنا من دم يوسف. تنفسنا الصعداء , سويعات تفصلنا عن لقاء أحبة ربما غابت عنا ملامحهم.
رآيات ترفرف على المكان, كان لمسها ذات يوم يودي بصاحبها الى المجهول. موظفون بزيهم الرسمي يستقبلون الوجوه المتعبة مهنئين بسلامة الوصول. فرغم جمال المشهد إلا أن مرارة الحقيقة لا يمكن طمسها.
قال قائل انها رحلة الالف ميل , ومنهم من بررها بقلة الحيلة .مشهد لم يبدده سوى ضيوف يلتقطون الصور لكل منظر أمامهم, لا ادري إن كان ذلك فرحا بالعودة ام ربما تكون اخر نظرة تقع عليها ابصارهم قد لا تتكرر ابدا .
وليس بعيدا, كان لقاء الاحبة بعد عقد من الزمان. رؤوس كساها الشيب وأطفال أصبحوا بعمر الرجال. وأجيال ولدت من رحم الغربة و الوطن.
فرحة غامرة باللقاء قبل الانطلاق من قاع الارض الى قمم الجبال الجرداء. على الطريق الصاعد كان الرعب بعينه, أودية سحيقة ابتلعت مركبات بمن فيها من البشر لوعورة الطريق وكثرة منعطفاتها التي خصصت للذين كتب عليهم الشقاء دون سواهم.
وليس بعيدا كنا نلمح شوارعا شقت لحفنة من البشر كأن الله خلقهم دون سواهم .فلا يسمح للعبيد باجتيازها إما بامر او ربما لخوف من مجهول.
قصص الرعب تطاردنا. فلكل قصة و حكاية. فلم يعد النسيان من طبيعة البشر,إنها حكاية الحياة من رحم الموت,والأمل بالمستقبل على أنقاض الماضي, والرجاء بحياة هنيئة لأطفال لم يعرفوها من قبل.
لقد تغير كل شيء ,فليس أجمل من مكان كان للطفولة منه ذكرى. فذلك الحي الاثري لم يبق منه سوى الأطلال ,هنا كان البيت و الجيران, وتلك الشجرة التي كنا تستظل تحتها.وذلك المحراب الذي كان الشيخ الجليل أبا محمد يؤم الناس فيه لنصف قرن من الزمان. قرأت الفاتحة على روحة الطاهرة.و قبلت من أجله كل من بقي على قيد الحياة من أقرانه, أدركت معنى الوفاء وكيف تبقى الذكريات الجميلة في النفوس.
كلما ألقيت السلام على عابر سبيل كان يبادري قائلا: رحم الله شيخنا, لقد كان عبدا من عباد الله الصالحين, فحينما يحبس المطر لذنوب البشر كان شيخنا ومن معه يتضرعون الى الله طلبا للرحمة و البركة ,فكانت السماء تهطل علينا مدرارا لصفاء القلوب وصدق النية,
كنت احبس دموعي ,ولكنها ارادة الله وسنته في خلقه.
كان لا بد من زيارة الاحياء الاموات, فهم أجدر بالحياة منا , كان البرد شديدا في ذلك الفصل من السنة. إنطلقنا مع آذان الفجر لتخترق الحافلة كل قرية على الطريق . رجال و نساء و أطفال جمعتهم رحلة البحث عن يوسف وصحبه,
لمحت شوق أطفال لآباء ربما كان هذا لقائهم ألأول, وعشق أمهات لفلذات أكبادهن الذين طال غيابهم.لمحت شيوخا تكسرت أرجلهم من طول انتظار لإلقاء نظرة على ولد قد لا تتكرر ثانية,
في تلك الرحلة التقيت بصديق جمع الوطن بين ثنايا إسمه , إنه الحاج محمد حنا بن يعقوب الدرزي ,كان صاحبنا يصلي الجمعة في المسجد, ويتعبد في الكنيسة يوم الاحد. و ينتظر هطول المطر على قمة الجبل في عيد الفصح.كان يزرع الارض لتنبت من خيراتها ما يكفي فقراء الحي,
هكذا كان حال البلاد و العباد قبل أن يعصف بها طوفان الحقد الاسود القادم من أساطير التاريخ و غياهب الماضي السحيق,كان الكل يعبد الله على طريقته بمحبة ووآم.
سألته عن حال من بقوا على قيد الحياة, فأخبرني عن أسود حبست داخل أقفاص لا فكاك منها.فلا هي قادرة على أن تتحول الى أغنام . ولا أحد قادر على تحريرها لتنطلق في غابة الحياة بحر إرادتها.
سألته عن صانع الأحذية فقال: حينما استوى جبل الاسمنت على بيته شطره نصفين , وحجز بينه وبين زوجته أم يوسف القابعة خلف جدار غرفته.ولكي يزورها كان لا أن يلتف خلف الجبل ليقضي ليلة دافئة بين أحضانها. ولكن عند وصوله يكون خائر القوى لا يقدر على فعل شيئ. لذلك قررت العجوز تطليقه وخلعه من جذوره.
لقد كبر ولده يوسف ودقت له الطبول يوم زفافه. لم يتأخر أحد في القرية عن المشاركة, وفي ليلة زفافه انتزعته خفافيش الليل من حضن عروسه وألقي في جب عميق لا يزال عالقا فيه.
ساد الوجوم على الوجوه, وخيم الصمت المطبق حزنا على ما سمعوا, لم تكسره سوى تلك الفتاة الصغيرة و حركاتها البريئة العذبة.و صوتها الشجي وهي تغني للوطن,
إنها أول مرة ستلتقي بوالدها. تسأل امها متى الوصول ؟ فتجيبها بعد ساعة من الان.
تسير الحافلة الى حيث المكان , أشجار معمرة على الطريق ربما كان جدي الذي أبحث عن رفاته قد غرسها قبل الف من السنين. وغابات من أشجار البرتقال على مد البصر, فتحت ظلالها إستراح جدي لآخر مرة قبل أن يولي وجهه شطرالمشرق في رحلة لا نهاية لها. لمحت بقايا طريق شيد ذات يوم لعبور مواكب الحج . وهناك سكة حديد متهالكة كانت تربط أجزاء الوطن المتناثر ذات يوم.
كانت السماء ملبدة بالغيوم و بشائر الخير تلاحقنا الى عمق الصحراء, فجأة اشار السائق الى زريبة كان اللصوص يخططون لسرقة الرمل والماء و الهواء من خلالها ,وأصبحت مزارا لكل قاتل لم يرتو أجداده من شرب الماء الاحمر, فأراد الاحفاد تكملة مشوار اسلافهم.
لم أغمض عيني لحظة خوفا نم من أن تفوتني لقطة كنت أريد أن أحفرها في قلبي المجروح.
وصلنا الى مشارف قلعة أحاطت بها الجدران من كل جانب,تحول دون تسلل النمل الى قنه.فهذا جب يوسف وإخوته.
هذه لحظة العناق الروحي .لا مجال للقبلات كما للدموع. وجوه مشرقة كالشمس.رجال قل مثيلهم. إصرار على الحياة رغم الموت . هؤلاء من سيرسمون الإبتسامة على وجوه الإطفال و يلقون السلام على كهول إبيضت عيونهم من الحزن,
دوى صراخ في القاعة. طفلة تحاول لمس يد والدها من خلف الحاجز .إم تتوسل زنديقا و الدموع تنهمر من عينيها ان يسمح لطفلتها البريئة أن تعانق أباها. رفض الزنديق كل توسل ,و تعالى صراخ الطفلة أن أعيدوا لى والدي, حاول الوالد تخطي الحاجز ليحتضنها, فبادره أحدهم بضربة على رأسه أوقعته أرضا.
دق الجرس معلنا انتهاء الزيارة. وصوت الطفلة يلف المكان مطالبة بوالدها.رافضة مغادرة القاعة.
تجمهر الجمع حول الطفلة و الدموع تنهمر حزنا.همدت حركتها , وسكت صوتها وتمددت على الارض بلا حراك. لقد توقف قلبها الطري عن الخفقان, وانطلقت روحها الى بارئها لتعانق والدها من خلف ذلك الحاجز الزجاجي اللعين.ماتت عبير لتفوح روحها عبيرا في سماء الوطن .ولعنة على جبروت ظالم حرمها من عناق أبوي رقيق.
بقلم :ابراهيم ابو عرقوب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحلة الى جب يوسف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نادي القصه العربيه :: نادي القصه القصيره-
انتقل الى: